Book Review: دفاتر الوراق ل جلال برجس
.jpg/v1/fill/w_320,h_320/file.jpg)

التقييم ★★★★½
"لن يقدر الإنسان على صنع حياته إن لم يستخدم عقله في فهم كل شيء حوله، لهذا درست الفلسفة."
منذ سنوات، وضعت لنفسي هدفاً يشبه البحث عن كتاب العمر؛ ذلك العمل الأدبي الذي يجمع بين كل ما أحب في القراءة: العمق النفسي عند دوستويفسكي وتولستوي، والتأملات الوجودية عند موراكامي، مع لمسة من الواقعية السحرية وبناء شخصيات معقدة تحمل عوالمها الخاصة داخلها.
وبطبيعة الحال... كان هذا البحث ينتهي غالباً بجدران صلبة اصطدمت بها في كل اتجاه، خصوصاً في عالم الأدب العربي الذي لطالما تمنيت أن أجد فيه هذا النوع من المزج بين الفلسفة والتحليل النفسي والخيال. دخلت إلى دفاتر الورّاق بلا أي توقعات مسبقة. كل ما أردته هو إنهاء الرواية خلال زيارتي القصيرة إلى عمّان، وربما إعادتها إلى موطنها ودفنها في التراب الأردني إن لم تكن على قدر تطلعاتي.
لكن ما بدأ ببطء سرعان ما تحول إلى رحلة أدبية مختلفة تماماً.
في البداية، لفتني التصوير شبه الواقعي لأعراض الاكتئاب الحاد، والهلاوس السمعية والبصرية، بالإضافة إلى الإشارات النفسية والفلسفية التي تخللت الرواية. ورغم اختلافي مع بعض الطروحات النفسية (فأنا أميل أكثر إلى مدرسة كارل يونغ)، إلا أنني قدرت حجم البحث والوعي الذي يقف خلف بناء شخصية البطل ابراهيم. ثم بدأت الشخصيات الأخرى بالظهور، وبدأت الرواية تكشف طبقاتها شيئاً فشيئاً، لتصبح أكثر تعقيداً وكثافة مع كل صفحة.
"يجب على لحظة الموت أن تجيء غامضة مثل نهايات بعض الروايات العالقة بالذاكرة، فتضيف سراً جديداً لأسرار هذه الحياة."
ما يميز جلال برجس هنا هو قدرته على الغوص العميق في نفسية بطله ابراهيم. لقد قدّم لنا دراسة شخصية متكاملة لإنسان ممزق بين ماضيه، وذنوبه، ورغبته في الخلاص، ومحاولاته المستمرة لإعادة تعريف ذاته. ومن الواضح أن الكاتب قارئ نهم ومطلع على الأدب العالمي، خصوصاً الأدب الروسي والفلسفة وعلم النفس، وهذا يظهر بوضوح في بناء الشخصية الرئيسية وفي التحولات النفسية التي تمر بها.
أكثر ما أعجبني في الرواية هو أنها لم تقدم لنا شخصيات مثالية. حتى بطلنا، رغم كونه محور الحكاية، بعيد كل البعد عن صورة "البطل الكامل". لكنه في النهاية إنسان؛ يحمل ضعفه، أخطاءه، تناقضاته، وأحزانه.
وربما هنا تكمن قوة الرواية.
فهي ليست حكاية رجل يحاول فقط النجاة، بل حكاية إنسان يحاول أن يفهم نفسه، أن يعيد بناء هويته، وربما أن يهدمها في الوقت ذاته.
يهدم... ويبني.
يهدم... ويبني.
حتى يصل إلى النقطة التي لا يعود فيها متأكداً مما تبقى منه.
وربما هنا تكمن عبقرية شخصية إبراهيم. فهو لا يعيش فقط صراعاً مع العالم من حوله، بل يعيش صراعاً مع الصورة التي صنعها عن نفسه.
إبراهيم مثقف يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته. يدرك الفساد، والفقر، والظلم الاجتماعي، ومعاناة المهمشين، لكنه في الوقت ذاته عاجز عن إنقاذ نفسه من أزماته الداخلية. المعرفة وحدها لم تمنحه الخلاص؛ بل ربما كانت عبئاً إضافياً حمله على كتفيه.
فمأساة المثقف في الرواية ليست أنه يجهل الحقيقة، بل أنه يراها بوضوح شديد ولا يملك القدرة على تغييرها.
ومن خلال رحلة إبراهيم، يفتح جلال برجس أبواباً عديدة على مجتمع بأكمله: أطفال الملاجئ الذين لا يواجهون فقط قسوة الحياة، بل أيضاً نظرة اجتماعية قاسية تحرمهم من الانتماء؛ الفقر الذي يحاصر الإنسان حتى تصبح الخيارات كلها ناقصة؛ مجتمع تغلق فيه أبواب التغيير أمام أفراده؛ ومؤسسات تتآكل تحت وطأة الفساد والمحسوبيات.
لكن أجمل ما في الرواية بالنسبة لي هو أن برجس لم يقدم إبراهيم كمنقذ.
وهنا أختلف قليلاً مع القراءة التي ترى بعض أفعال الشخصية كفجوات في البناء الروائي فقط. نعم، هناك لحظات بدت لي غير مكتملة من ناحية الحبكة، وبعض الأحداث احتاجت إلى بناء أكثر إقناعاً. لكنني وجدت أن هذه الفوضى تتناسب، بشكل أو بآخر، مع فوضى إبراهيم الداخلية.
فإبراهيم لا يبني أسطورة اللص لأنه بطل حقيقي، بل لأنه يحتاج إلى تصديق أنه ما زال يملك القدرة على إحداث فرق. إنه يصنع لنفسه هوية جديدة بينما تنهار هويته القديمة. يحاول أن يصبح الشخص الذي طالما أراد أن يكونه، لكنه في الطريق يكتشف أنه يحمل كل تناقضات البشر الذين حاول الهروب منهم.
وهنا تصبح الرواية سؤالاً أكثر منها إجابة:
ماذا لو حاول الإنسان إصلاح العالم قبل أن يفهم نفسه؟ماذا لو أصبح البحث عن الخلاص طريقاً آخر نحو الضياع؟
لقد أحببت الوحدة التي تغلف صفحات الرواية. شعور ابراهيم بأنه غريب عن العالم، ذنبه تجاه ماضيه، قسوة الفقر، والأطفال الأيتام الذين يحاول مساعدتهم في طريقه نحو ما يمكن وصفه بالاستنارة أو الخلاص. هو إنسان لم يطلب الكثير من الحياة؛ فقط حياة كريمة لم يحصل عليها يوماً. لكن مع مرور الوقت، يبدأ إحساسه بذاته وبواقعه بالتفكك، وتبدأ الحدود بين الحقيقة والوهم بالاضطراب.
وهنا تحديداً تظهر براعة برجس في تصوير شخصية بهذا التعقيد. فالقارئ الذي لم يعتد على الأدب الروسي، أو على الروايات التي تغوص في أعماق النفس البشرية، قد يفوته الكثير من التفاصيل والطبقات المخفية بين السطور.
أما لمن يحب هذا النوع من الأدب، فهذه الرواية تحمل الكثير من الكنوز.
أعتبر دفاتر الورّاق ثروة أدبية وطنية. رواية عميقة، مؤلمة، ومليئة بالأسئلة التي تبقى مع القارئ حتى بعد الصفحة الأخيرة.
لم تكن رحلة سهلة، لكنها كانت رحلة تستحق أن تُعاش.
أنهيت الرواية وبقيت في حالة من الشرود لفترة طويلة، وكأنني خرجت لتوي من عالم آخر.
ولا زلت متمسكة بتقييمي الأول:
"فالأحزان أوراق في قلوب الناس بحاجة إلى نسمة أسى خفيفة، لتقلبها من جديد."










Comments